الرئيسيةتحت الأضواءربورطاجسبق سبور

“قوارب الموت”.. ملاذ رياضيين هاربين من جحيم الممارسة- روبورتاج

حكايات مثيرة لرياضيين فضلوا "لحريك" بحثا عن تأمين مستقبلهم

روبورتاج: محمد الشرع

 

المغامرة في “قوارب الموت” لبلوغ الضفة الجنوبية لإسبانيا انطلاقا من المغرب، والاختباء أسفل الشاحنات، والهروب في غمرة استحقاق دولي، طرق من بين أخرى فضلها رياضيون مغاربة هربا من جحيم الممارسة بالوطن، بحثا عن آفاق أرحب في الفردوس الأوروبي المفقود، بعدما استشاطوا غضبا، وفقدوا الأمل في مستقبل مشرق بالقرب من العائلة والأصدقاء.

 

من البطولة الاحترافية إلى “قوارب الموت”

 

الإحساس بالتهميش، والمعاناة مع الفقر وقلة ذات اليد، فضلا عن البحث عن آفاق أرحب، عوامل من بين أخرى جعلت علي حبابا، عميد آمل فريق أولمبيك أسفي، الممارس بالبطولة الاحترافية، يفضل ركوب قوارب الموت والمخاطرة بحياته في سبيل بلوغ الضفة الأخرى للبحر الأبيض المتوسط هربا من وضعية الكرة بالمغرب.

يقول حبابا من مدينة إشبيلية الاسبانية عاصمة الأندلس “هربت من الواقع المرير، وخاطرت بنفسي حينما اتخذت قرار العبور إلى اسبانيا على مثن “قارب الموت”، ما عشته من ظلم وحيف داخل فريقي كان كافيا لترك كل شيء ورائي، أولمبيك أسفي تنكر لي ولم يكن من خيار أمامي سوى المجازفة”.

وتابع بتأثر بالغ “لعبت رفقة الفريق أزيد من 9 سنوات، كنت عميدا في أغلب الفئات التي مررت منها، آخرها فريق الأمل الذي شاركت معه الموسم الماضي في 30 مقابلة، وخضت المعسكر الإعدادي رفقة الفريق الأول، لكن في الأخير تخلوا عني وتنكروا لي”. واستطرد مغالبا دموعه “لا يمكن لي العيش مع أهلي لأني أنحدر من عائلة فقيرة، مكونة من أم و4 إخوة، بعدما ضاع مستقبلي بسبب التخلي عن الدراسة للعب كرة القدم، واليوم فريقي الأم تخلى عني بعدما استفاد مني، لن أسامحهم أبدا لقد باعدوا بيني وبين أمي”.

وختم قائلا “أنا الآن بإشبيلية، أنام في الشارع، ولن أعود إلى المغرب، وفي حال أرادوا ترحيلي سأطلب منهم قتلي بالرصاص على أن أعود”.

 

منير.. من الملاعب إلى حقول الفراولة

 

لم يكن منير، ابن مدينة تمارة، المتاخمة للعاصمة الرباط، يعتقد يوما أن القدر سيقوده إلى البحث عن جني فاكهة الفراولة في الحقول الاسبانية بعدما كان حلمه احتراف الكرة التي داعبها بملاعب “المرارة” ليجد نفسه مهاجرا سريا يبحث عن تأمين قوته ومساعدة عائلته.

هاجر منير سرا إلى اسبانيا على مثن قارب مطاطي، في رحلة ملغومة قال إنها جعلته يعيش جحيما حقيقيا وضع حياته في كف عفريت نتيجة المشاكل التي رافقت الرحلة في جنح الظلام انطلاقا من شمال المملكة صوب السواحل الجنوبية لإسبانيا. يقول منير لـ “سبق نيوز”، وهو يستحضر شريط الليلة الظلماء التي غامر خلالها بحياته “قضيت أسابيع بشمال المملكة في انتظار اليوم الموعودة لخروج قارب الموت، كان حلمي وقتها بلوغ الضفة الأخرى للبحر الأبيض المتوسط، كنا ننتظر بفارغ الصبر، وبترقب كبير أن يعتدل الجو وينخفض ارتفاع الأمواج لخوض مغامرة “الحريك”.. العملية لم تكن سهلة بالمرة وكلما اقترب الموعد ازدادت نبضات القلب بشكل يصعب وصفه.. إنها لعبة الحياة، يمكن أن يتحقق المبتغى كما يمكن أن تتكسر الأحلام الوردية على صخرة الواقع، عشت لحظات يصعب وصفها امتزج فيها الأمل بالخوف مما يخبئه لنا القدر”. وتابع بتأثر “أدينا مبلغ الرحلة الذي كان محددا في قرابة ألف و500 أورو، وكان الوصل عبارة عن سنبلة، قضينا أياما في الغابة بين مطرقة الهروب من المطاردة الأمنية وسندان المغامرة بأرواحنا في سبيل بلوغ الفردوس الأوروبي المفقود، لم نفقد خلالها الأمل وتسلحنا بالصبر والعزيمة في سبيل تحقيق المبتغى بحثا عن آفاق أرحب”.

وأضاف: “وصل اليوم الموعود، ودون سابق إنذار طلب منا التوجه على عجل نحو الشاطئ حيث كان قارب مطاطي في انتظارنا، أطلقنا سيقاننا للريح، في مشهد يوحي بأننا نخوض الأمتار الأخيرة لسباق عالمي، وكان الهدف أخذ مكان في القارب وعدم تضييع الفرصة حتى لا ندخل في خانة الانتظار، كان عددنا كبيرا، وحجز مكان في قارب الموت قاسمنا المشترك”.

وزاد: “بعد رحلة محفوفة بالمخاطر بلغنا السواحل الاسبانية في رحلة عشنا خلالها ذعرا حقيقيا وأدركنا وقتها المعنى الحقيقي للمغامرة والمخاطرة بأرواحنا، لم يكن من خيار أمامنا، ونحن في عرض البحر، سوى مواصلة الرحلة المجهولة، فكرنا في الوصول سالمين أكثر من التفكير في المستقبل الغامض الذي ينتظرنا إن نجحنا في تجاوز الأمواج العاتية”.

وختم قائلا “بعد نجاح المغامرة اصطدمت بواقع مرير، البحث عن مكان يأويني، وعمل يضمن قوت عيشي، المهمة لم تكن سهلة وكان الخيار البحث بين حقول الفراولة عن عمل ينتشلني من الضياع ويساعدني على تغطية متطلباتي، وبعد بحث مضني نجحت في إيجاد فرصة شغل لدى مالك ضيعة إسباني، لأجد نفسي أبحث عن جني الفرولة في الحقول بعدما كان حلمي مداعبة الكرة في الملاعب.

 

هليل من “حراك” إلى مدرب في “الكالتشيو”

 

 

حكاية نور الدين هليل مع “الحريك” أشبه بفيلم يحمل جميع مقومات الإثارة والتشويق، بداية بطول مسافة الرحلة، مع ما رافقها من صعوبات ومعاناة بهدف تحقيق حلم الهجرة، وانتهاءا بوفاة عدد كبير من المهاجرين على مثن القارب الخشبي. غادر هليل، مدرب فتيان فريق طورينو الايطالي، المغرب صوب ليبيا، حيث استقر لمدة 25 يوما قبل خوض تجربة “الحريك” رفقة شباب عرب وأفارقة آخرين راغبين في بلوغ الضفة الأخرى للبحر الأبيض المتوسط.

يقول هليل لـ” سبق نيوز” وهو يسرد تفاصيل الرحلة الملغومة والمحفوفة بالمخاطر من إيطاليا “بعدما اختمرت فكرة “الحريك” جمعت أغراضي وتوجهت صوب ليبيا بعدما استجمعت المعطيات اللازمة لـ”رحلة العمر”، ومكثت فيها مدة 25 يوما مرت علي وكأنها سنة كاملة في انتظار يوم المغامرة، دفعت مبلغ 2000 أورو مقابل مقعد في “قارب الموت” دامت الرحلة زهاء يومين، كنا قرابة 70 مهاجرا انطلقنا من السواحل الليبية يوم السبت، ومكثنا في البحر يومين قبل أن نحط الرحال في الجنوب الايطالي يوم الاثنين، كانت تجربة مرعبة قياسا مع خطورة البحر وقوة الأمواج العاتية، هربت من واقع الرياضية المرير بحثا عن مستقبل آمن، ولله الحمد تكللت الرحلة بالنجاح ووصلت سالما بعد معاناة منقطعة النظير، كلما رأيت البحر أتذكر تلك الرحلة الملغومة والمميتة، والتي كدت أدفع حياتي ثمنا لها”.

واستطرد قائلا “الرحلة خلفت العديد من الضحايا، هاجرنا 70 شخصا غير أن الموت خطف 27 مهاجرا بعدما غمرت المياه القارب الخشبي الذي كنا على مثنه، الذين وافتهم المنية كانوا في الطابق السفلي ولم يكتب لهم الاستمرار في الحياة، لقد نجونا بصعوبة وكتب لنا البقاء على قيد الحياة”.

وواصل “بعد ولوج الأراضي الإيطالية انطلق فصل جديد من فصول المعاناة مع الاستقرار والاندماج في الوسط الجديد، وعشت التشرد في أولى بداياتي، خصوصا أنني مهاجر غير قانوني، نمت في الشارع 3 أيام في درجة حرارة كان معدلها 15 تحت الصفر، وفي الليلة الأخيرة ثم نقلي إلى المستشفى بعدما أغمي علي من شدة البرد، واستقراري كان يتطلب تسوية وضعيتي، وهو ما توفقت فيه بفضل من الله بعد جهد جهيد، وانطلقت مسيرتي كمدرب مغربي في الدوري الايطالي بعد تجارب كلاعب في فرق الهواة، إلى أن استقر بي المقام في فريق تورينو العريق.

 

بطل في التكواندو يفضل خيار “الحريك”

 

خلق البطل المغربي في رياضة التكواندو، أنور بوخرصة، الجدل حينما نشر مقطع فيديو يوثق لعملية الهجرة على متن قارب خشبي إلى الأراضي الإسبانية رفقة شبان آخرين في مشهد يتكرر، تقريبا، بشكل يومي.

المثير في الفيديو أن بطل التكواندو رمى خلفه الميداليات في أعماق البحر في مشهد كان كافيا لتجسيد مقياس الإحباط الذي نال منه، وجعله يعرض نفسه للخطر في سبيل بلوغ الفردوس الأوروبي رغبة في تحسين وضعيته.

الخطوة التي أقدم عليها أنور تؤكد، بما لا يدع مجالا للشك، استياءه الكبير وامتعاضه الشديد من ظروف ممارسة هذا الصنف الرياضي بالمغرب.

 

كلوش من لاعب للمنتخب إلى “حراك”

 

مشهد آخر من مشاهد الهجرة السرية كرسه هشام كلوش، لاعب الجمعية السلاوية والمنتخب الوطني سابقا، عندما أدار ظهره للكرة وسلك طريق الهجرة السرية بحثا عن مستقبل أفضل في الديار الأوروبية.

هشام تدرج في الفئات الصغرى للمنتخبات الوطنية ولعب لفريق الجمعية السلاوية ببطولة الدرجة الثانية قبل أن تتربص به الإصابة في أربع مناسبات وتفرض عليه خوض عمليات جراحية حالت دون مواصلته حلم مداعبة الكرة، الشيء الذي دفعه للتفكير في الهجرة السرية على مثن قارب بعدما تنكر له الجميع ووجد نفسه وحيدا يقاوم قساوة الحياة ومتطلبات العيش الكريم.

لعب هشام رفقة ياسين بونو، الحارس الحالي للمنتخب الوطني، في الفئات السنية لـ “الأسود” قبل أن يدفعه القدر لترك الذكريات خلفه وسلك طريق الهجرة على مثن قارب مطاطي سعيا وراء مستقبل يحفظ كرامته ويؤمن حياته.

 

فيفا.. هاجر على مثن شاحنة للفوز ببطولة أوروبا

 

لاتزال ظاهرة التجنيس تخطف الأبطال المغاربة، وتفرغ المنتخب الوطني من عدائين قادرين على التألق، وبلوغ منصات التتويج، في عز سنوات “الكساد” الرياضي لأم الرياضات. وحرم حمل عدائين مغربيين الجنسية الإسبانية المنتخب الوطني من الاستفادة من خدماتهما، ويتعلق الأمر بكل من عادل مشعل، المزداد في مدينة تطوان عام 1990، وإلياس فيفا، البالغ من العمر 27 سنة، والمزداد في مدينة طنجة.

وفاز فيفا بذهبية بطولة أوروبا لسباق 5 آلاف متر، الذي احتضنته العاصمة الهولندية أمستردام، بينما اكتفى مشعل بالميدالية الفضية خلال المسابقة ذاتها.

وهاجر مشعل إلى إسبانيا في سن الخامسة رفقة والده، ومارس كرة القدم داخل القاعة قبل أن يعرج على ألعاب القوى بتوصية من مدربه جوزيب كاربايودي. من جهته، عاش إلياس فيفا فترة صعبة ووضعية جعلته يفكر في الهجرة السرية نحو إسبانيا، وهو ما أقدم عليه حينما كان يبلغ من العمر 17 سنة، بعدما هاجر سرا على مثن شاحنة لتحقيق حلم بلوغ الضفة الأخرى للبحر الأبيض المتوسط.

وبعد تحقيقه المبتغى وبلوغ الأراضي الإسبانية، انتقل إلياس بين مراكز القاصرين حتى استقر به المقام بشقة للقاصرين، وزاوج بين اشتغاله كحارس سيارات والرياضة قبل أن يصبح بطلا أوروبيا رفقة المنتخب الإسباني.

 

“حريك” مصارعين في غمرة استحقاق دولي

 

فوجئ الوفد المغربي بمدينة طاراغونا الاسبانية، المشارك في بطولة البحر الأبيض المتوسط، باختفاء المصارعين أيوب حنين، وأنور طانغو، لحظات قليلة قبل استعدادهما لقص شريط المنافسة، التي احتضنها إسبانيا.

وكشف مصدر من داخل الوفد المغربي، أن المسؤولين قاموا بإشعار المصالح القنصلية بكتالونيا لاتخاذ التدابير اللازمة، بعد التأكد من فرار المصارعين وغيابهما عن الفحص الطبي قبل خوض أولى النزالات.

وعلاقة بالموضوع، نشر كل من حنين وطانغو فيديو يشرحان من خلاله الأسباب التي جعلتهما يقدمان على “الحريك”، بداية بالوضعية الاجتماعية المزرية، مرورا بمعاناة الأبطال الرياضيين لهذا الصنف الرياضي، وانتهاء بالرغبة في تأمين المستقبل.

 

 

“حريك” بصيغة المؤنث

 

التفكير في “الحريك” خيار لا يقتصر على الذكور، وإنما حلم يتقاسمه الجنس اللطيف هروبا من واقع الممارسة، وبحثا عن مسار احترافي قد يؤمن المستقبل تفاديا لمفاجآت المستقبل.

مريم بويحد، لاعبة المنتخب المغربي النسوي وفريق أولمبيك آسفي، واحدة من بين من اختمرت لديهن فكرة “الحريك” ولم تفوت فرصة تواجدها باسبانيا للمشاركة في دوري “الكوتيف” الدولي لتحقيق حلم الهجرة.

وقال مصطفى بنسليمان، مدرب إناث الفريق المسفيوي في تصريح له إن هروب لاعبة المنتخب جاء بشكل إرادي رغبة منها في تحسين الظروف الاجتماعية لعائلتها، وتأمين مستقبلها بعيدا عن مشاكل هذا الصنف الرياضي بالمغرب.

 

 

كرة اليد.. صنف عانى من لعنة “الحريك”

 

“الحريك” قاسم مشترك بين مجوعة من الرياضيين المغاربة، ولا يقتصر على صنف دون الآخر، طالما أن الرغبة في تحسين ظروف الممارسة والبحث عن آفاق أرحب يبقى قاسما مشتركا بين جميع الممارسين الذين فضلوا خيار “الحريك”.

وكشف عدلي حنفي، رئيس الجامعة الملكية المغربية لكرة اليد، حقيقة “هروب” لاعبي المنتخب الوطني في إسبانيا بعد انتهاء المعسكر الإعدادي، الذي تخللته مبارتين وديتين أمام منتخب الباسك ضمن البرنامج التحضيري للاستحقاقات المقبلة.

وقال حنفي، في حديثه مع “سبق نيوز″، إن الوفد المغربي حينما كان يستعد لمغادرة إسبانيا والعودة إلى المغرب، بعد انتهاء المعسكر الإعدادي، سجل غياب اللاعبين هشام بوركيب، لاعب مولودية مراكش، ويوسف الطماح، لاعب نادي وداد السمارة، وتخلفهما عن رحلة العودة.

واستطرد قائلا:” الجامعة قامت بجميع الإجراءات اللازمة، كما سبق لها اتخاذ جميع الاحتياطات المعمول بها في مثل هذه السفريات، وبينها الاحتفاظ بجوازات سفر اللاعبين”.

 

 

“الحريك”.. واقع اجتماعي تكرسه الرياضية

 

التفكير في مغادرة الوطن وخوض مغامرة الهجرة حلم يتقاسمه الشباب المغاربة العاطلين عن العمل، ويكرسه رياضيون يبحثون عن طوق نجاة للهروب من واقع الممارسة، خصوصا في ظل الإغراءات التي تمنحها الدول الأوروبية، حيث الاهتمام بالأصناف الرياضية وتوفير ظروف النجاح، وهو ما يفرض إعادة النظر في الإستراتيجية الرياضية من خلال مقاربة تلامس ظروف الممارسة وتشخص مكامن الخلل، بهدف توفير الأجواء المناسبة للرياضيين حتى يركزوا على تطوير مستواهم أكثر من التفكير في الهجرة، التي يعتبرونها طوق نجاة لانتشالهم من الواقع المرير والمستقبل المظلم رغم ما تحمله من مخاطر قد تعصف بحياتهم وتجعلهم في خبر كان.

الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق