آراء حرةالرئيسيةما وراء الخبر

يونس وانعيمي يكتب: ” طفل الثلج والطابور الثالث “

ماذا يعني أن يستنجد بنا “طفل ازيلال” ليطلب معطفا وجوارب تنقذه من لذغات البرد، عبر ذلك الفيديو الذي انتشر واشتهر فحل بعده الليل والصمت؟

من البديهي انه ليس وحده المحتاج، وليس وحده التلميذ الذي يكابد عناء البيئة وثقل الحاجة ليذهب للمدرسة ويستغيث. كما أن ازيلال ليست هي المنطقة الباردة القاسية الفقيرة الوحيدة بهذا المغرب الذي يغترب فيه أطفاله. لكنه كان صورة وصوت اختزلت الألم.

من البديهي ايضا ان تخرج ردود فعل متضاربة. الأولى ستكون طبيعية و ستتأثر طبعا من هول الاستغاثة وسشجب إهمال الصغار فرائسا للموت والحتف بسكين الصقيع. وحتما ستتحرك مبادرات مباشرة لتلقف الصغار من تلف محتوم.

ردود الفعل الثانية ستعطي لهذه التراجيديا معنى سياسي وستحاكم السلطة المحلية والمركزية وستتهمها بالقصور. وستتحرك أقلام وأصوات، كما العادة، في جدبة جماعية لتقتص من رئيس الحكومة والمنتخبين والقياد والدرك وغيرهم كثير ومعني.

لكن ما يهمني في هذا المقام هو رد الفعل الثالث لصحفيي ومحللي الطابور الثالث. سيخبرنا هذا الطابور ان الشكوى من الثلج والصقيع تقع حتى بين سكان ألاسكا وكندا والسويد.. وانه فصل الشتاء حيث يعاني العديد مم يعاني منه الطفل “العفريت'”، وبالتالي فهؤلاء الناس هم من جاء إلى الصقيع وجاوروه وليس العكس. سيخبرنا الطابور الثالث بأن تصوير الاستغاثة كان من طرف شخص “راشد” اركب الطفل صهوة بغل وافتى عليه نص الاستغاثة.. وطبعا من دفع “ثمن معزوفة البؤس” ليس ابدا شخصا بريئا وإنما مخرج محترف اختار بدقة واحترافية عناصر سينمائية “مضللة” : اختار التوقيت، واختار طفلا متجها للمدرسة (وهو رأس مال بشري غاية في الأهمية بالنسبة للعالم الجبلي الفقير) ، واختار السيناريو الحزين ليبلغ العالم، حسب استنتاج الطابور الثالث، ان المغرب يقتل أطفاله اهمالا، في الوقت الذي يتبجح بانتصاراته “الذيب لوماسية”. ووبالتالي كل من يصور البؤس فهو يخدش عنوة صورة وطن.

نفس محللي الطابور الثالث من برأ السلطات المحلية من دم الدارالبيضاء مقرين ومستنتجين بأن ما وقع كان يقع منذ عهد الادارسة وهو راجع لفيضانات واد بوسكورة تحت-ارضى. صقيع ازيلال ليس بشريا لنتهم البشر، فحتى ديناصورات العهد البريكامبري (عهد جيولوجي قديم) ماتت ونفقت بسسبه. المشكل اذن يتعدى الطفل. وبالمناسبة فهناك مؤسسات وقطاعات حكومية وجمعيات وشركات لم تقم بما يلزم للحسم نهائيا في هذه المعضلات التي يمتزج فيها العنصر البيئي مع عنصر تقصير الدولة بكل مكوناتها. قلت ان المشكل ليس في احساس الأطفال بالبرد بل في شرعنة إهمالهم للموت، وليس في غرق مدينة بل في شرعنة ذلك والكيل بكل الاحتجاجات بمكيال التهويل المفرط والتخوين..

الطابور الثالث في المحصلة هو مجموع فيالق أشخاص تم منحهم امتياز احتكار صناعة صورة الدولة، واحتكار ذلك بإمكانات وولوجيات. وليس مسموحا ابدا ان يأخذ فرد بعينه مبادرة إنتاج صورة ما عن الدولة حتى ولو كانت صورة طفل يتألم من البرد فوق صهوة حمار.

قال تولستوي ان اقتراف الخطيئة هو في النهاية فعل بشري ولكن تبريرها هو فعل شيطاني بامتياز

يونس وانعيمي

الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى